سيد محمد طنطاوي

64

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والحساب ، ورد عليها بما يمحقها ، فقال - تعالى - : وقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ . أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ . أَوآباؤُنَا الأَوَّلُونَ . قُلْ نَعَمْ وأَنْتُمْ داخِرُونَ . فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ . 6 - وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء المشركين ، وتوبيخ الملائكة لهم ، وإقبال بعضهم على بعض للتساؤل والتخاصم . . بعد كل ذلك بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين ، فقال - تعالى - . وما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ : إِلَّا عِبادَ اللَّه الْمُخْلَصِينَ . أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ . فَواكِه وهُمْ مُكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ . يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . لا فِيها غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ . 7 - ثم حكى - سبحانه - جانبا من المحاورات التي تدور بين أهل الجنة وأهل النار ، وكيف أن أهل الجنة يتوجهون بالحمد والشكر لخالقهم ، حيث أنعم عليهم بنعمة الإيمان ، ولم يجعلهم من أهل النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم . قال - تعالى - : إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ . أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ، طَلْعُها كَأَنَّه رُؤُسُ الشَّياطِينِ . فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ . 8 - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة إبراهيم مع قومه . ومع ابنه إسماعيل - عليهما السلام . ومن قصة موسى وهارون وإلياس ولوط ويونس - عليهم الصلاة والسلام - . 9 - ثم أخذت السورة الكريمة - في أواخرها - في توبيخ المشركين الذين جعلوا بين اللَّه - سبحانه - وبين الملائكة نسبا ، ونزه - سبحانه - ذاته عن ذلك . وهدد أولئك الكافرين بأشد ألوان العذاب بسبب كفرهم وأقوالهم الباطلة . وبين بأن عباده المؤمنين هم المنصورون ، وختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . والْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ . 10 - والمتأمل في هذه السورة الكريمة - بعد هذا العرض المجمل لآياتها - يراها بأنها قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - ، وعلى أن البعث حق ، وعلى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، وذلك لكي تغرس العقيدة السليمة في النفوس . . كما يراها تهتم بحكاية أقوال المشركين وشبهاتهم . . ثم ترد على تلك الأقوال والشبهات بما يزهقها ويبطلها .